العتاب والمعاتبة ، من آكد ما يبقي المودة ويُشعر بالرحمة والقرب والألفة.
ولذلك نجد في القرآن الكريم كيف أن الله جل وتعالى كان يعاتب أنبيائه ورسله وعباده الصالحين ..
( عفا الله عنك لم أذنت لهم ..) !
( يا ايها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ..) !!
( عبس وتولى . أن جاءه الأعمى . وما يدريك لعله يزكى ..) !!
وحين نتأمل نصوص السيرة النبوية نجد ايضا كيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحرص الأمة على الأمة ، فكان يعاتب ويعتب ..
والذي يشد الانتباه ويلفت النظر ، سمو الأدب في آيات المعاتبة والعتاب ..
وتقرأ في طيّات نصوص السنة شدة الحرص والرحمة بالأمة من خلال همسات العتاب ومواقفه ..
ومن هنا وجب على المتحابين بجلال الله أن يرقوا بمعاتباتهم ، وأن تسموا بهم روح الإيمان فتتعانق الأرواح طهرا وحباً وهي تبلسم بعضها بعضا لتداوي جراحها بيد الإشفاق والعطف والرحمة ..
تلكم هي الروح السامية بسمو الإيمان..
تلكم هي الروح التي تأسرك بشفافيتها ..
الروح الطاهرة طهر المزن في سماءها ..
الروح التي تجذبك إليها بلطف ..
وتدفع عنك الأذى بحرص ..
تخرج منها الكلمة فتسمع روحك همسها قبل أذنك ..
كأني بها وهي تناغي وتترنم …
حديث الروح للأرواح يسري : : : فتدركه القلوب بلاعنـــــاء
هتفت به فطار بـــــــــلا جناح : : : وشق أنينه صدر الفضـــاء
ومعدنه ترابي ولكـــــــــــــــن : : : جرت في لفظه لغة السماء
لقد فاضت دموع العشـق منّي : : : حديثاً كان علويّ النــــــداء
فحلّق في ربى الأفلاك حتـــى : : : أهاج العالم الأعلى بكـــائي
إنها ليست معاتبة .. بل هي همسات الروح للروح ..
فهل بلغنا مبلغ الأخوة التي يغبطنا عليها الأنبياء والشهداء والصالحون .؟!
أم أن نفوسنا لمّا تزل ترابيّة الأصل والطموح ؟!
وفي سبيل أن نخطو خطوة نحو السمو ..وحتى نعيش إخلاء أوفياء أصفياء أنقياء ..
أسطر الماحات ، في فن المعاتبة والعتاب . من خلال :
الأولى : كثرة اللوم في الغالب لا يأتي بخير ..
لكن ليس كل اللوم !!، وإنما كثرة اللوم والعتاب ، فإنها تنفر منك الصديق ، وتبغّض عليك العدو ..
ومن لا يغمض عينه عن صديقه : : : وعن بعض ما فيه يمت وهو عـــــاتب
ومن يتتبع جاهداً كل عثــــــــرة : : : يجدّها ولا يسلم له الدهر صاحب !!
ثق تماماً أن لحظة كدر في عتاب قد تفسد عليك أخوة دهر !
وتسرع في عتاب .. يفرّق عليك رأس المال ..
واسمع للخادم الصغير وهو يقول : " خدمة في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين لم يقل لشيء فعلته لم فعلت ، ولا لشيء لم أفعله لم لم تفعل !!
هذا وهو صغير مظنة وقوع الخطأ منه أعظم من مظنتها في كبير واع !!
الثانية : لا تطلب من الآخرين عدم الخطأ .. وإنما اطلب منهم أن لا يستمروا في الخطأ إذا علموه .
هكذا المؤمن ( مفتّن توّاب ، إذا ذُكّر تذكّر ) ..
( ولو لم تذنبوا لذهب الله تعالى بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون ) !!
تلكم هي سنة الله ..
ولتتجلّى في خلقه معاني أسمائه وصفاته ..
وهكذا ينبغي أن نقبل الآخرين .. على أنهم بشر يخطئون ..
اقبل أخاك ببعضه : : : قد يُقبل المعروف نـــزرا !
واقبل أخــاك فإنه : : : إن ساء عصراً سرّ عصراً
فإنك إن لم تكت كذلك أوشكت أن تشق على الناس أو تهلك نفسك ..
الثالثة : أزل الغشاوة عن عيني المخطئ .!
حين ترى الخطأ .. لا تتشنج .. أو تنقلب حماليق عينك ، أو يتعكر صفو مزاجك .. تمهل
قد يكون المخطئ غطت على عينيه غشاوة الخطأ أو المعصية .. فلا تستعجل في ذم أو تقبيح .. بل ابذل جهدك في إزالة الغشاوة عن عين المخطئ ..
يدخل شاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه وهو يقول : يا رسول الله إئذن لي في الزنا !!
ياللهول ..!!!
يريد الزنا .. ويريده حلالا بإذن رسول الله تعالى له ..!!
من الصحابة من استوفز ، ومنهم من تقطّب جبينه وفيهم من قال : دعني أضرب عنقه !!
ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعدو عن أن تبسم وقرّب الفتى إليه وقال له :
" أترضاه لأمك ؟!
أترضاه لأختك ؟!
والفتى في كل جواب يقول : لا
فقال صلى الله عليه وسلم " فكذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم وأخواتهم "
بأبي وأمي أنت يا رسول الله .. ما أشد حلمك مع شدة حرصك وتسلّط السفهاء عليك ..
الرابعة : اختر الكلمات اللطيفة في العتاب والمعاتبة ..
لا تقبّح ، أو تسب أو تشتم ..
فالمؤمن ليس بالطعّأن ولا اللعان ولا الفاحش البذيء !
وفي الحديث الصحيح " والكلمة الطيبة صدقة .."
فكيف تراها تكون هذه الكلمة طيبة ؟!
بعبارات التلاوم والذم والشتم وجرح المشاعر ؟!!
أم ترى أن للكلمات أنوار إذا برقت بروقها أنارت فؤاد المستمع !
الخامسة : اترك الجدال ..
في عتابك لا تجادل .. لأنك بالجدال قد تخسر النتيجة وقد تكون أنت المحق ..
ثم إن المجادل قد يربط الحق بكرامته ، فيدافع عن كرامته لا عن الحق .. وهنا تكون القاضية !
فلا الحق أُحقّ .. ولا المودة بقية ..
وقد جاء في الحديث الصحيح " أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقّاً "
السادسة : ضع نفسك موضع المخطئ .. ثم فكر في الحل !
لأنه لا يكفي منك أن تنتقد وتعاتب ..
بل لابد مع العتاب بلسماً ..
وانظر كيف أن منهج القرآن ليس هو الزجر دون بيان طريق النصر والظفر ..
قال تعالى : " وأحل الله البيع وحرم الربا "
يأمر عباده المؤمنين بغض الأبصار عن الحرمات ثم يعقّب بالندب والحث على الزواج والنكاح من المؤمنات ..
وهكذا ..
فبدل أن تعاتب ، ولو سمت عبارتك .. أردفها بحل .. أو فكرة !
" يا غلام ..سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك ."!!
السابعة : ما كان الرفق في شيء إلا زانه ..
" إن الله رفيق يحب الرفق "
" وإن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق .."!
يدخل أعرابي المسجد فيبول في ناحية منه ، فيغضب عليه بعض الصحابة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاهم عن فعلهم هذا
حتى فرغ الأعرابي ، ثم يناديه حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول له :" ياهذا إن المساجد م













